Project
محاصَرة
تحريك رقميّ بدقة 4K، مدة 00:08:28 دقائق.
"محاصَرة" يتناول استخدام الأرز اللبناني كرمز في الأوساط السياسية والاجتماعية اللبنانية المعاصرة في ضوء التغيرات المناخية والبيئية. إن التدمير المستمر للبيئة الطبيعية لهذه الشجرة — مثلاً من جراء الاحتباس الحراري الناجم عن أنشطة البشر وبناء منتجعات التزلج الفاخرة والحدائق الطبيعية والمسارات والمشاريع السكنية الراقية — يُجبر تغيير شكل شجر الأرز وموقعه. في الوقت نفسه، لا يزال التمثيل الجمالي والرمزي للأرز اللبناني — المرسوم على علم وعملة لبنان — ثابتاً كل الثبات، زينةً سرمدية تغذي الأجندات الوطنية والاقتصادية والسياسية. الأرز اللبناني له التمجيد والتدمير في آنٍ واحد، حائر بين الأنشطة الدينية والسياحية والمنزلية.
رمز للخلود، ضحية الانقراض
لطالما عُرفت شجرة الأرز اللبنانية بارتباطها بالخلود والحياة الأبدية. وقد برع روبرت فيسك في تعبيره عن غموضها، قائلاً: "أشجار الأرز أعلم بتاريخ الأرض من التاريخ نفسه". يتردد صدى هذا الشعور في التبجيل التاريخي والروحي الذي لطالما أحاط بها لآلاف السنين. وقد خلّدت الأساطير والكتب المقدسة الأرز ككيان إلهي مرن صامد.
إلا أن واقع الأرز مختلف تماماً. فبعد أن كانت غاباته تمتد عبر مساحات شاسعة من بلاد الشام، أضحت اليوم متجزئة مشتتة معزولة، وتقتصر على بساتين متناثرة فوق جبل لبنان وشمال سوريا وجنوب تركيا. ولا تنفك الروايات القديمة عن انتشار الشجرة مستمرة، متناقضة كل التناقض وحالتها البيئية الحالية. التنافر هذا يعكس تورط الأرز في المشهدين السياسي والاجتماعي في لبنان، حيث يفوق وزنه الرمزي واقعه البيئي.
لقد أدت إزالة الغابات، مدفوعةً بالنشاط البشري منذ العصور القديمة، إلى تدمير موطن الأرز. في البدء أُزيلت غابات جبل لبنان للزراعة والأخشاب والتجارة، مما أدى إلى بدء حلقة من النزيف البيئي. وكذلك البناء الحديث لمنتجعات التزلج الفاخرة والمشاريع السكنية الراقية والبنى التحتية للسياحة البيئية يواصل هذه العادة، مما يزيد من تدهور بيئة الأرز الطبيعية. لا تعرّض هذه التطورات الأرز لخطر الانقراض فحسب، بل إنها تهدد أيضاً النظم البيئية برمتها، مما يدفع النباتات والحيوانات المجاورة إلى حافة الانقراض.
سرديات التجريد التاريخية
قصة تسليع الأرز قديمة قِدم التاريخ المدوّن. ففي ملحمة جلجامش، صُوّرت غابة الأرز كغنيمة غزو. جلجامش وإنكيدو قتلا خمبابا، حارس الغابة الأسطوري، وشرعا في تقطيع أشجارها كعرضٍ لجبروت هيمنة الإنسان على الطبيعة. أسّس هذا التمجيد للتدمير البيئي سردية استمرت لقرون، مُضفيةً الشرعية على استغلال الموارد الطبيعية كعلامة على التقدم والقوة.
هذه السابقة القديمة مهدت الطريق لقرون من التدخل البشري في وجود الأرز. في الآونة الأخيرة، اعتُبر الأرز رمزاً للبنان الحديث، حيث رُسِمَت صورته على العلم الوطني والعملة. إلا أن هذه المكانة الرمزية الثابتة تتناقض مع الواقع البيئي الديناميكي الهش للشجرة.
الأرز كرمز ثابت للسُلطة
مع تأسيس دول قومية في بلاد الشام على يد فرنسا الاستعمارية والإمبراطورية البريطانية، استُخدمت شجرة الأرز رمزاً للفخر والهوية الوطنية، وجرى التلاعب بصورتها لخدمة أجندات سياسية وأيديولوجية مختلفة. بالنسبة للحركات اليمينية المتطرفة والفاشية في لبنان، غدت شجرة الأرز أداةً لترسيخ خطابات إقصائية عن كراهية الأجانب والتفوق اللبناني. تستغل هذه الجماعات صورة الشجرة لرسم حدود جامدة للانتماء، مما يختزل أهميتها في أيديولوجية ضيقة ومُفرقة.
في المقابل، قامت أحزاب وحركات المعارضة — منها اليسار التقدمي، والقوميون العرب، وجماعات المقاومة الفلسطينية، والقوميون السوريون — بتصوير الأرزة كرمز للوحدة والتراحم. وبينما قد تبدو هذه التفسيرات أكثر دمجاً، إلا أنها تستغل الأرزة أيضاً، فتُشكل صورتها بما يتماشى مع الأجندات السياسية بدلاً من معالجة واقع بقائها البيئي. في كلتا الحالتين، تطغى الفائدة الرمزية للأرزة على هويتها، مما يجعلها أداةً في الصراع على السُلطة والسيطرة، أو رمزاً للتضامن ضد الفاشية والاستعمار.
الاستقطاب الديني: الأرز كعلامة ألوهية
بعيداً عن السياسة العَلمانية التقليدية، رسّخت الأرزة مكانتها في السرديات الدينية، لا سيما في الكنيسة المارونية، حيث تُبجل كعلامة ألوهية. تُذكر الأرزة كثيراً في العهدين القديم والجديد، ولها رمزية روحية بالغة الأهمية، إذ تُمثّل القوة والخلاص والارتباط بألوهية سامية. وقد ضخمت الكنيسة المارونية هذا التبجيل، مستخدمةً الشجرة كتجسيد بصري ومادي لسلطتها.
ومع ذلك، فإن هذا الاستقطاب الديني يحبس الأرز في عوالم منعزلة من الرمزية والعقيدة، ويحرمه من وظيفته البيئية. فبدلاً من أن يكون فصيلة مزدهرة وديناميكية في غابات لبنان، يُحصر الأرز في دور أيقونة مقدسة، معزولاً عن محيطه الثقافي الأوسع من الكنيسة وعن موطنه الطبيعي وقيمته الجوهرية.
الإرث الاستعماري وتشييء الأرز
تقييد الأرز يتجاوز السياسة المحلية والدين إلى السياق الأوسع للاستعمار. إبان الاستعمار الفرنسي في لبنان، تدهورت بيئة الأرز أكثر مع سعي السلطات الاستعمارية إلى إعادة تشكيل الهوية اللبنانية بالتلاعب الثقافي والاقتصادي. أُنشئت منتجعات تزلج فاخرة ومنافسات رياضية وأماكن ترفيهية غربية في جبال لبنان، منطقة الأرز البيئية، ليس لتعزيز الازدهار الاقتصادي، بل لغرس شعور بالهوية الفرنسية بين المواطنين اللبنانيين.
حوّلت هذه الاستراتيجية الاستعمارية الأرز إلى أداة للسيطرة الديموغرافية والهندسة الثقافية. فبات تشييء الشجرة عنصر جذب، وقُسّمت مناطقها واستُعمرت لخلق قشرة من الحداثة الغربية. لا يبرح هذا الإرث قائماً حتى يومنا هذا، فلا ينفك أرز لبنان يُسلَّع للسياحة والعقارات، بينما تبقى احتياجاته البيئية ثانوية مقارنة بالطموحات البشرية.
الأرز كسلعة
لعلّ الجانب الأكثر إدانة في وجود الأرز في العصر الحديث هو اختزاله كسلعة. فبتجريد الشجرة من قيمتها الجوهرية، تحولت إلى عنصر زخرفي يزيّن المنتجات والسلع الاستهلاكية. من الهدايا التذكارية إلى العلامات التجارية، صورة الأرز يُعاد تدويرها بلا نهاية، وهو منفصل عن جذوره البيئية.
يُجسّد هذا التسليع الميل الرأسمالي الأوسع لتجريد الطبيعة من قيمتها الجوهرية، واختزالها إلى وسيلة للربح الاقتصادي. الأرز الذي كان يوماً من الأيام رمزاً حياً للمرونة والخلود، بات الآن ضحية أخرى لنظام عالمي يعطي الأولوية للربح قبل الاستدامة. إن تحويله إلى "سلعة أبدية" يُبرز الحاجة الملحة لإعادة تقييم علاقة الإنسانية بعالم الطبيعة.
نداء عاجل لإعادة الترابط
تعكس محنة الأرز اللبناني الأزمة البيئية الأوسع التي يواجهها كوكبنا. ازدواجية هذه الشجرة — التمجيد والتدمير في آن واحد — تُجسد استعارة قوية لعلاقة الإنسانية المتوترة مع الطبيعة. مع تسارع التغير المناخي، يزداد خطر انقراض الأرز، مما يُجبره على الهجرة إلى مناطق أعلى بحثاً عن ظروف مستقرة. ويعكس هذا النزوح ما يمر به اللاجؤون، ويسلط الضوء على الترابط بين الظلم البيئي والاجتماعي.
لحماية الأرز، وبالتالي النظم البيئية التي يرسخها، من الضروري تجاوز دوره الرمزي والمسلع. يجب أن تُعطي جهود حفظه الأولوية لاحتياجات الأرز البيئية على وظيفته الثقافية والاقتصادية، مما يسمح له بالبقاء ككائن ديناميكي مستقل في بيئته.
الأرز اللبناني ليس مجرد شجرة؛ إنه شاهد حي على آلاف السنين من التاريخ البشري، ورمز للصمود والخلود. ومع ذلك، فإن بقائه ليس مضموناً. فباستغلاله في أجندات سياسية ودينية واستعمارية، وبتسليعه من قِبل الأنظمة الرأسمالية، أصبحت قصة الأرز قصة دمار وانقراض. ولإكرام الأرز والطبيعة ككل بصدق، علينا إعادة تصور علاقتنا به — ليس كرمز جامد أو سلعة، بل كجزء حيوي من النظم البيئية التي تحافظ علينا كافة. لا مفر من مواجهة التهديدات الأرز الملحة لبقائه ليس لكي يبقى رمزاً للصمود فحسب، بل وللانسجام المتجدد بين البشرية والطبيعة.
أُنجز هذا المشروع بدعم سخي من منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون (2020).
"سلسلة شاشات: إيكُروف" من تنسيق إيان والاس، مساعد القيّم.
إياد أبو غيدا
الراوي
جمانة عباس، إياد أبو غيدا
إدارة المشروع
جمانة عباس، إياد أبو غيدا
الرسومات
إياد أبو غيدا
تحريك الرسومات
كريستين شيا
استشاري تحريك الرسومات
أم يوسف
ما بعد الإنتاج
إريك موندت
تسجيل الصوت
إريك موندت
تقنية التعليق الصوتي
جمانة عباس، فواز أبوغزالة، إياد أبو غيدا
الترجمة
ستيفن ديكر
تصميم الخط
جورج أبي سليمان، فواز أبوغزالة، حمد المزيني، رزان الصفدي، نائل الشطي، مارلين أنطاكي، جوناثان داغر، ستيفن ديكر، أنيس فياض، جانو كوردزاية، كريستي لايوس، أنطوني خوري، وزارة الثقافة اللبنانية، ناتالي مغربيان، إريك موندت، مهدي صباغ، رنا سمارة جبيلي، كريستين شيا، نجوى صياغة، جون يزبك، إيان والاس، مارك واسيوتا، أكسيل زمولي
شكر خاص