Project
أين يمكن أن تجدنا؟
عمل سينمائيّ بدقة 4K، مدة 43:35:00 دقائق.
"أين يمكن أن تجدنا؟" هو فيلم وثائقي تجريبي قصير، يمزج بين مقاطع تصويرية طبيعية ورسومات متحركة ثلاثية وثنائية الأبعاد ومقابلات حوارية. يستكشف الفيلم وضع أشجار الأرز اللبناني (واسمه العلميّ: "سِدرَس ليباني") اليوم في لبنان، متعمقاً في البيئات المعقدة التي تعيش فيها وتتعايش مع غيرها. يُعيد الفيلم رواية سرديات الأرز ليس كما رُويت تقليدياً عبر التاريخ، وهي التي لطالما جعلت منه رمزاً للسرمدية والخلود. بتتبع التأثيرات البشرية — بدءاً من التغير المناخي والسياحة الاستخراجية وصولاً إلى استخدام الشجرة كرمز مدني في بناء هوية لبنانية وهمية — يُعيد المشروع وضع الأرز ككائن مستقل منفصل عن صوره الوطنية والثقافية والبيئية المغلوطة. العمل هذا يتأمل نقدياً في الموروثات المتشابكة للاستغلال والمرونة، معتبراً الأرز أكثر من مجرد رمز، بل كياناً حياً ضمن نظام بيئي مشترك.
ذكريات أرزة: التاريخ الإنساني والصمود
لطالما تشابكت البيئة الطبيعية بالوجود البشري، نشكلها وتُشكلنا في رقصة ثنائية مستمرة ومتبادلة. إنها بيئة نعيش فيها، وفي الوقت نفسه، قوة تُعرفنا وتطمس الخطوط الفاصلة بين ما هو بشري وغير البشري، وبين الفرد والمجتمع. من بين الكائنات غير البشرية التي تُذيب هذه الحدود، تقف أشجار أرز لبنان (سِدرَس ليباني) شاهداً ذا أثر ثاقب على تاريخ أراضيها الطبيعية.
لطالما احتُفي بأرز لبنان، المعروف بمرونته وجماله وصموده، كرمز للأبدية والقوة والخلود. إلا أن إرثاً معقداً متناقضاً بالتبجيل والاستغلال والإقصاء والتشويه يكمن وراء مكانته المهيبة — هو الإرث العنيد الذي بدأ في عصور سحيقة وما فتئ مستمراً حتى يومنا هذا.
"أين يمكن أن تجدنا؟" يسعى إلى إعادة النظر في هذا الإرث، كاشفاً عن التواريخ متعددة الطبقات والثقل المعنوي الذي تتكبده أشجار الأرز. يتعمق العمل في أبعادها البيئية والثقافية والسياسية، فاصلاً بين هوية الشجرة كشعار وطني وواقعها كنوع غير بشري مهدد بالانقراض. وبهذا، يدعونا الفيلم إلى رؤية أشجار الأرز ليس كأشياء تنتمي إلى سرديات صنعها الإنسان وعفا عنها الزمن، بل ككائنات مستقلة تشارك في خلق العالم الذي نتشاركه وإياها.
غابة متضائلة
الأرز اللبناني، ذاك الذي كانت بيئته في الماضي تمتدّ على مساحات شاسعة من شمال فلسطين إلى جنوب تركيا، بات الآن يعيش مشتتاً في أراض مجزأة. عبر قرون من إزالة الغابات بفعل الإنسان وإهماله لها وصراعاته السياسية، تقلصت هذه الغابات إلى مجرد بساتين معزولة في لبنان وشمال سوريا وجنوب تركيا. وحتى ضمن مناطق المحميات الطبيعية، يواجه الأرز تحديات بيئية. فحركة السياح البيئيين الكثيفة تعطِل تجديد الغابات لأنفسها، بينما يعطِل التغيير المناخي ظروف نموّ الشجرة ويُسرّع من تدهورها. وقد أُجبرت أشجار الأرز على الهجرة إلى ارتفاعات أعلى من جراء ارتفاع درجات الحرارة وجفاف فصول الشتاء وزيادة التعرض للآفات الغازية. الهجرات هذه، وإن كانت تُذكر بنزوح الشجرة في نهاية العصر الجليدي الأخير، تحدث بوتيرة غير مسبوقة بسبب تغير المناخ الناجم عن الإنسان. فمع تكيّف الشجرة مع ظروف أقسى، يتضاءل طولها وتنمو جذورها بشكل أعمق، الأمران اللذان يعكسا صراعاً من أجل البقاء مشابهاً للأزمة البيئية الأوسع.
تناقضات الحفاظ على الأرز
جهود الحفاظ على الأرز تشوبها تناقضات كثيرة. تُزرع شتلات الأرز في مختبرات الإنبات في ظروف مراقَبة، مصدر طاقتها مولدات كهربائية خاصة، في بلد يُعاني من نقص الكهرباء. بينما تبعث هذه المبادرات على الأمل، ينبغي اعتبارها حلاًّ محدوداً لمشكلة أوسع نطاقاً تتعلق بالتدهور البيئي، مما يُبرز الظروف غير الطبيعية والمتغيرة لبقاء الشجرة في ضوء الإخفاقات الهيكلية الأوسع التي أدت إلى هذه الظروف.
حدائق الأرز التي أُنشئت بعد الحرب الأهلية اللبنانية تُعدّ محميات طبيعية، وأدوات لبناء صورة/سمعة سياسية. تسلط هذه الحدائق الضوء على معاناة الشجرة، لكنها غالباً ما تخفي قضايا أعمق تتعلق بسوء الإدارة والاستغلال البيئي. ورغم الدعم الشعبي الذي تحظى به إعادة تأهيل الأرز الرمزية، إلا أنها لا تعالج الأنظمة البيئية والثقافية التي تُديم خطر انقراضها.
الأرز كلاجئ مناخي
بينما يهاجر الأرز اللبناني صعوداً بحثاً عن أراض طبيعية يمكنه العيش فيها، يصبح لاجئاً بيئياً، نازحاً بسبب نفس الأنظمة التي تمجده في الوقت نفسه كرمز للفخر الوطني والصمود. في نزوح الأرز قسرياً إلى ارتفاعات أعلى بسبب التغيرات البيئية الناجمة عن تغير المناخ، وبسبب الاستيطان وتدمير موطنه كذلك، لا يستطيع اللجوء في تربة مستغَلة ومتنازع عليها، تشغلها وتمحولها إنشاءات متنوعة للترفيه والخصوصية. منتجعات التزلج تشق مسارات عبر أنظمة بيئية هشة؛ والمجمعات السكنية الخاصة المسورة والقصور تحجب موطنه الطبيعي؛ والمطاعم ومراكز الترفيه تزيد من عبور البشر والمركبات وأشكال أخرى من البنية التحتية التجارية البشرية عبر أراضيه التي كانت مزدهرة سابقاً. المساحات هذه المصممة للمتعة البشرية والاستجمام والربح لا تترك مجالاً كبيراً للأرز لتثبيت جذور جديدة له، مما يكثف صراعه من أجل ضمان البقاء في الأرض.
هذه الهجرة إلى الأعلى تعكس الاستغلال التاريخي للأرز، إذ لا تزال الشجرة تكافح من أجل مكانها في بيئة تهيمن عليها طموحات الإنسان بشكل متزايد. وتتوازي محنتها مع أنماط أوسع من النزوح تواجهها المجتمعات المهمشة والأصلانية، بشرية كانت أم غير بشرية، مما يبرز ترابط الأزمات البيئية والاجتماعية. ومع تراجع وجود الأرز، يتضاءل معه التنوع البيولوجي والتراث الثقافي الذي يرسخه. هذا الوجود المحفوف بالمخاطر يدفعنا إلى إعادة النظر في السرديات التي لطالما احتفت بالأرز كشجرة عتيقة تُعتبر رمزاً جامداً للصمود، داعياً إلى الاعتراف بالأرز ككيان حيوي ديناميكي ذي قيمة جوهرية ومكانة جديرة بالاهتمام ضمن النظم البيئية التي ينمو منها.
الأرز كرمز لسياسات الهوية
لطالما كان الأرز اللبناني مثقلاً بالسرديات البشرية. فمن الأساطير القديمة إلى بناء الأمم المعاصرة، استُقطبت هذه الشجرة في أدوار لم تخترها قط، مجسدة الانتماءات الطائفية — الأرزة للموارنة والصنوبرة للدروز والحمضيات للشيعة — وهي بذلك تعكس التقسيمات الاستعمارية التعسفية المفروضة على شعب لبنان وأراضيه. وعلى نطاق أوسع، استُغلت لتحقيق مكاسب مادية وسياسية، وجرى تسليع جوهرها واختزاله كأداة للسُلطة والربح.
تاريخياً، يتجلى هذا التسليع في ملحمة جلجامش، التي تروي تقطيع أشجار أرز جبل الشيخ المدمِر كعلامة على انتصار الإنسان على الطبيعة. لاحقاً، استفاد الفينيقيون من هذه الشجرة كمورد رئيس لبناء إمبراطوريتهم البحرية، مُرسين بذلك سابقة لقرون من إزالة غابات الأرز اللبناني بدافع التجارة. لا يحتفي لبنان المعاصر بقصة النجاح الريادي المزعوم هذه التي توثق إزالة الغابات على يد الفينيقيين الكنعانيين فحسب، بل يواصل هذا النمط أيضاً باستخدام أشجار الأرز كحواجز أيديولوجية ومادية تحدد القواعد العسكرية والعقارات الفاخرة الخاصة. وقد رسّخ هذا استثنائية لبنانية، تتحول في حالات متطرفة إلى تفوق لبناني على المجتمعات المجاورة. مرة أخرى، تجد شجرة الأرز نفسها محرومة من سرديتها، مجردة من أجل دلالات رمزية للمكاسب الوطنية والمادية.
نحو علاقات جديدة
في نهاية المطاف، قصة الأرز اللبناني هي تأمّل في علاقة البشرية مع العالم الطبيعي. إن تراجعه المتجذر في قرون من الاستغلال يعكس الأزمة البيئية الأوسع في عصرنا. انتصار الشجرة في وجه الانقراض يقدم نفسه كسبيل حيوي، بل مُلح، للتمعن بالنظر في هذه العلاقة. لتكريم الأرز والاحتفاء به وبكافة الأراضي الطبيعية بحق، يجب أن نتجاوز النظر إلى النظم البيئية الطبيعية كموارد لتحقيق مكاسب مالية وسياسية، أو كشعارات للهرمية البشرية والهياكل الاجتماعية والثقافية والدينية المهيمنة. إن قصص الأرز المتقاطعة التي لا تزال مدوية بعد آلاف السنين وتطالب صراحة بمكانتها ضمن نظام بيئي مشترك، سواء على المستوى اللبناني أو العالمي، وإن دور الأرز ليس في الحفاظ على التوازن البيئي فحسب، بل أيضاً في جوانب هذا العالم التي قد نفقدها إلى الأبد على حافة الانهيار المناخي.
بتغيير منظورنا، يكون تمكيننا من إصلاح العلاقات التي تدعم الأرز والبشر على حد سواء. إن مرونة الشجرة، وإن كانت رائعة، لا ينبغي أن تعفينا من مسؤولية حمايتها. بل ينبغي أن تلهمنا لإعادة تصور دورنا في العالم الطبيعي — ليس كغزاة أو مستغلِين، بل كسكان مشتركين.
أُنجز هذا المشروع بدعم سخي من منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون (2020).
"سلسلة شاشات: إيكُروف" من تنسيق إيان والاس، مساعد القيّم.
إياد أبو غيدا
الراوي
جمانة عباس
إدارة المشروع
أم جوزيف
التصوير السينمائي
أم جوزيف
تسجيل الصوت
رانيا المصري و رولا خياط
مساهمات كتابية
فرانسيس تشانغ
المسيقى الأصلية
روني أبو غيدا و إياد أبو غيدا
تحريك الرسومات
جمانة عباس, فواز أبوغزالة, إياد أبو غيدا, و أحمد زيدان
الترجمة
فيبي أوزبورن
مستشار التحرير
لوريل أتويل, جوانا جوزيف, و لينزي روبرتسون
محررو الكتابة
رومكي هوغويرتس
تركيز الإطار
أم جوزيف
تلوين
ستيفن ديكر
تصميم الخط
أندريا شيافيلي & دان سيغلر
خلط الصوت وإتقانه
إريك موندت
تقنية التعليق الصوتي
آفاق، مطعم الأرز، حمد المزيني، خالد التميمي، لوريل أتويل، ماجدة بو داغر خراط، ماري تشيزمان، ماثيو تشيزمان، كريستينا الهبر، إلياس الحاج، كارينا الحاج، أنيس فياض، غ. فياض، بهاء فليحان، نزار هاني، دارين حطيط، رومكي هوغويرتس، سيباستيان يميج، جانيت يوسف، جوانا يوسف، جانو كوردزايا، كريستي لايوس، جذور لبنان، داني لوي، شركة كالي كوفي، أنطوني خوري، سوزي لابا، وزارة الثقافة اللبنانية، إنكوسي لوي-تشيزمان، تيفويلنجي لوي-تشيزمان، جورجيا ماكغفرن، بول في حصرون، لينزي روبرتسون، جياكومو روسي، مهدي صباغ، باس سمعان، رنا سمارة جبيلي، هاشم سركيس، أندريا سكيافيلي، دان سيغلر، كريستين شيا، نجوى صياغة، محمية الشوف المحيط الحيوي، إيان والاس، مارك واسيوتا، متحف بيبودي للتاريخ الطبيعي بجامعة ييل، أكسيل زمولي
شكر خاص